الأحد, 27/05/2018
الرئيسية » أقلام و اراء » في بيت الأسير محمد الطوس… شجرة رمان تصافح عضلات السماء

في بيت الأسير محمد الطوس… شجرة رمان تصافح عضلات السماء

بقلم : عيسى قراقع

رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين

في مساء يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان لهذا العام أضأنا الشموع في بيت الأسير محمد الطوس ابو شادي في قرية الجبعة قضاء الخليل، وبحضور واسع من الأسرى المحررين وعائلات الأسرى والفعاليات والمؤسسات الوطنية.

33 شمعة ل 33 عاما يقضيها في السجون الأسير محمد الطوس الملقب بالشهيد الحي المحكوم مدى الحياة ، الشموع لم تحترق ولم تذب كجسد الأسير الذي لا زال صامدا وصابرا وقويا وفتيا ومشتعلا في زمن السجون الاسود والاطول في التاريخ المعاصر.

33 شمعة أضاءت الليل وباحة الدار، شجرة رمان في بستان صغير بنوارها الأحمر ، امتدت غصونها الخضراء وصافحت عضلات السماء، وعندما نظرنا للأعلى قرأنا اسماء 48 اسيرا يقضون اكثر من عشرين عاما، وجوههم الفدائية تسبح في الغيوم، صافية مبتسمة جميلة تبشر بالخلاص وبنزول المعجزات.

33 شمعة كشفت 20 رصاصة في جسد الأسير محمد الطوس اصيب بها عند اعتقاله في كمين اعدام نصب له ولزملائه الذين سقطوا شهداء، اقاموا له العزاء، لم يتوقع احد انه ظل حيا، وقد نجا باعجوبة وبإرادة ومشيئة من الله سبحانه وتعالى، استيقظ من غيبوبته ونهض من بركة الدم، وواصل الجري السريع كغزال في جبال الخليل.

33 شمعة حملتها اكف زملائه الأسرى المحررين الذين قضوا سنوات طويلة مع محمد الطوس، تقاسموا معه الألم والجوع والذكريات والحنين ، وأكملوا معه عمرهم القادم بلا مؤرخين ومؤلفين، يسطرون في اشتباكهم اليومي مع السجانين مواعيدهم القادمة مع الحرية واليقين.

33 شمعة اضاءت غرف وأقبية السجون ، هنا كريم يونس وماهر يونس ونائل البرغوثي واحمد ابو جابر ووليد دقة وناصر ابو سرور وضياء الاغا وعلاء البازيان وسمير ابو نعمة، أسرى يقضون اكثر من ربع قرن، كسروا التوقعات الاسرائيلية، وتجاوزوا زمن الموت الى زمن فيه حياة اكثر من الحياة نفسها.

33 شمعة في بيت محمد الطوس، تحية للحرية ، مديحا طويلا للإنسانية والبشرية، بشرى للناس ان هذه الارض حبلى بالقيامة والزلازل والفيضانات ، غضب بشري في وجه دولة احتلال طاغية، دولة عسكرتارية وحشية اصبحت تشكل خطرا على العدالة والقيم والثقافة الانسانية.

لم تفرج إسرائيل عن الأسير محمد الطوس في صفقات التبادل ولا في الدفعة الرابعة، وظلت زوجته ام شادي التي اصابتها الجلطة من فرط حنينها واشتياقها وانتظارها على بوابة السجون في غيبوبة لأكثر من عام، عيناها مفتوحتان على القادمين والعائدين من السجون، لم يعد أبو شادي ، لم يفتح باب السجن، اغمضت عيناها ووعدته ان تدرب روحها على اللقاء به عندما يوقظها صوته في الآخرة.

33 شمعة في باحة بيت أبو شادي، و 33 إضرابا مفتوحا عن الطعام ، مرّ من الف زنزانة ودخل من الف باب، كيف عاش؟ يسأل السجانون والمحققون عن هذا الأسير المثخن جسمه بالجروح والرصاص، كيف عاش طوال هذه المدة؟ تجرع كل قنابل الغاز، وتعرض للضرب والقمع والحشر والويلات والعزل والحرمان والطمس والقهر، مازال يتحايل على الليل ليعود الى بيته سالما مع الحالمين.

33 شمعة وشجرة رمان تصافح عضلات السماء، هنا في قرية الجبعة الواقفة فوق سطح البحر المتوسط ، تسمع صوت الموج وصوت الماء، الاحتلال اغلق القرية من كل الجهات بالمستوطنات، نهب اراضيها وقطع أشجارها ، لكنها تستمع لدقات قلب محمد الطوس وتتبع الرياح.

33 شمعة في بيت الأسير محمد الطوس الذي لا زال يدلك عضلات الحرية، يصافح عضلات السماء ، وهناك في السجون النشيد الوطني الفلسطيني وليس نشيد الاستسلام والنكبات ، وهناك من يدربون الذاكرة على استعادة عمرهم المسلوب وايقاظ البرق بين تلال وصخور قرية الجبعة ورجال وجياه لا تموت ولا تهان.

33 شمعة في بيت الأسير محمد الطوس، واكتشفنا ان مفتاح البيت لا زال في يد أم شادي، قد أموت ولا يفتح الباب تقول أم شادي ، المفتاح جاهز لاستقبالك الآن، شتل النعنع جاهز لتصنع الشاي، الاولاد كبروا لتعانقهم وتقبلهم وتعوضهم عما مضى من غياب ، الرسائل في الخزانة لتقرأ خطواتك

وخطواتي في الغد.

في قرية الجبعة الكنعانية..

شجرة رمان تصافح عضلات السماء..

محمد الطوس كل ما ينقصه في الوقت وقت ..

وما ينقص الاسرائيليون ارتباك الهوية وقلق الموت..

محمد الطوس يعود الى البيت..