الثلاثاء, 25/04/2017
الرئيسية » أقلام و اراء » لا يزال اليسار العربي يبحث عن دوره

لا يزال اليسار العربي يبحث عن دوره

الكاتب: هاني المصري

 
بدعوة من جمعية “راد”، شاركتُ في تونس على مدار ثلاثة أيام في ملتقى “المنظمات الشعبية العربية”، والاسم لا يعبر بدقة عن طبيعة المشاركين ومن يمثلون، فهم جاؤوا من مختلف البلاد العربية باستثناء دول الخليج واليمن، ويمثلون مجموعات تروتسكية وشيوعية وقومية عربية والأمازيغ والأكراد والصحراء الغربية، ويعبّرون بشكل أو بآخر عن اليسار العربي الذي له وجهات نظر متعددة حول المتغيرات التي حدثت في المنطقة العربية، فبعض المشاركين اعتبر ما حدث “ربيعًا عربيًّا” عبّر عن نفسه بثورات ضد الديكتاتورية والفساد والتبعية والاستبداد العسكري والعلماني والديني، أما البعض الآخر، ومن ضمنهم “قذافيو” ليبيا، يعتبرون ما حصل ليس ربيعًا، وإنما مجرد غطاء لأطماع استعمارية واضحة المعالم لمشروع الشرق الأوسط الجديد.

 
بات اليسار العربي خليطًا عجيبًا من المجموعات والقوى يفرقه إضافة لاختلاف وجه النظر بالنسبة لما حدث من متغيرات: هل هو ربيع أم خريف؟، النظر إلى المنطقة العربية: هل هي عربية أم خليطًا من العرب والكرد والأمازيغ … إلخ؟، وهي نقطة خلاف كبيرة جدًا ستحول أو يمكن أن تحول إذا لم يتم الاتفاق عليها إلى تعذر العمل المشترك.

 
إن الحل لهذه المشكلة موجود وقائم بالاعتراف أن كونها منطقة عربية تضم أمة عربية واحدة أو شعوبًا عربية تجمعها اللغة والتاريخ والدين أو الأديان والمصالح والمخاطر والتحديات المشتركة والفرص المتاحة لا يطمس أو يلغي حق الأقليات كأفراد وجماعات، على أساس المساواة بين المواطنين بغض النظر عن لونهم وجنسهم ومعتقداتهم وقومياتهم، وما يجمعهم لا يقل عما يفرقهم وهو كثير، فما يجمعهم أن مختلف المشاركين معادٍ للهيمنة والعدوان الإمبريالي والصهيونية والعنصرية والإقصاء والتمييز واضطهاد المرأة والتسلط الأبوي مهما كان شكله، ويناهض الرأسمالية لأن وجودها وحلولها مكلفة، ولم تعد تحتمل، ​ومع ذلك أثبتت الرأسمالية رغم توحشها أنها قادرة على التغير المستمر وتقديم نفسها بثوب جديد باستمرار.

 
كما يجمع المشاركون، واليسار العربي بشكل عام، على أن المنطقة العربية تتكثف فيها أبشع أشكال كل ما يناضل ضده الثوريين والأحرار في العالم كله.

 
إن هذا الملتقى الذي اختتم أعماله بنجاح على الرغم من كل الاختلافات والألغام هو محور من محاور خمسة منتشرة حول العالم، وجزء من التحضير لتجمع عالمي يضم مجموعات وقوى من اليسار الأممي من المقرر أن يجتمع في كاراكاس في فنزويلا قبل نهاية هذا العام.

 
أكثر ما لفتني خلال أعمال الملتقى صحة القول أن المعارضة تأتي على شاكلة حكامها، واليسار العربي ينطبق عليهة هذا الوصف إلى حد كبير، فهو لا يزال حائرًا يبحث عن دوره الذي ضاع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي ولم يجده حتى الآن، ما جعله لا يزال هامشيًّا ​ويتحمل جزءًا ​من المسؤولية عن مآلات المنطقة المأساوية بما لا يتناسب مع الوعود التي يحملها، في حين تختلف التفسيرات لهذا الضياع وكيفية الاستفادة من التجارب السابقة ​بين:

 
من يركز على أهمية الفكر والمراجعة والنظرية الثورية على أساس أن لا عمل ثوريًا حقيقيًا دون نظرية ثورية، ويبرهن على رأيه بما يجري في المنطقه العربية منذ أكثر من ست سنوات من ثورات انتهت في أغلب البلدان إلى ثورات مضادة. فالثورات حركها الشباب والثوريون وقطف ثمارها الديكتاتوريون بشتى ألوانهم، فلو كانت هناك أحزاب ثورية وديمقراطية تطرح إجاباتٍ عن الأسئلة المطروحة وحلولًا للمشكلات التي يعاني منها المواطن لتزوّدت هذه الثورات بالرؤية والأحزاب والتنظيم والقيادة التي ستسير بها إلى بر الأمان، وتحقيق ما يريده الشعب من أمانٍ وطموحات وأهداف وطنية وديمقراطية واجتماعية واقتصادية وثقافية، فلا يمكن الفصل بين الوطنية والديمقراطية، ولا يمكن تأخير الحقوق والحريات للأفراد أو للمرأة إلى حين التحرر، فلا بد من أن ​تسير النضالات ​معًا في مسارات متلازمة متوازية متزامنة، فلا يؤجل تحرير المرأة على سبيل المثال لا الحصر إلى ما بعد التحرير، وهذا ما حذّرت منه مشاركات من الجزائر الفلسطينيين حتى لا يحدث معهم ما حدث في الجزائر حين تحررت بينما بقيت المرأة مضطهدة في البيت والعمل.

 
ومن يركز على أن “في الحركة بركة” على أساس أن “خطوة عملية أحسن من دزينة برامج”، وأن المهم تلبية احتياجات المواطنين ومطالبهم والتعامل مع همومهم المباشرة. فما ينقص اليسار وفق هؤلاء التنظيم والتنظيم والتنظيم والإمكانات المالية. والسؤال هو: أي تنظيم هو المقصود، وما فكره، وما برامجه وأهدافه، وكيف يصل إليها؟ وكما قال لي أحد المشاركين من مصر أن التفتت الذي يعاني منه اليسار المصري والعربي فظيع، لدرجة أن تشكيل أي فصيل يساري جديد يعني حتمًا بعد فترة ليست طويلة أن ينشق إلى خمسة أو ستة تنظيمات مثلما حصل مع التنظيمات السابقة.

 
ما يثير هذا الجدال العقيم حول من يسبق من: النظرية أو العمل؟ أن هذه المعضلة يمكن حلها ببساطة من خلال الجمع ما بين العمل من أجل بلورة النظرية الثورية، وبين الكفاح لتحقيق الأهداف المطلبية والوطنية والديمقراطية، فمن دون جواب عن أسئلة من نوع: أين نقف الآن، ولماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وإلى أين نريد أن نصل، وكيف نصل إلى ما نريد؟ كيف بمقدور النضال الطبقي والوطني أن يراكم ويحقق ما يريد! فالنضال ليس من أجل النضال، وإنما من أجل بلدان حرة ومستقلة وشعوب سعيدة تنعم بحقوقها وحريتها.

 
ما يثلج القلب في هذا الملتقى أنه على الرغم من التنوع والخلاف بين المشاركين، والتعصب والعصبية التي كادت أن تهدد استمراره ونجاحه، أجمع المشاركون على تأييد القضية الفلسطينية ودعمها باعتبارها ضحية الإمبريالية والصهيونية، وراية التحرر العالمي وليس الفلسطيني والعربي فقط. وهذا مؤشر إلى أن عدالة القضية الفلسطينية وتفوقها الأخلاقي وتمسك الشعب الفلسطيني بها، وبالدفاع عن حقوقه، والنضال من أجل تحقيق أهدافه مهما طال الزمن وغلت التضحيات، ينفي أنها لم تعد قضية مهمة في المنطقة.

 
صحيح أن القضية تراجعت من حيث أهميتها بسبب ما جرى ويجري في المنطقة العربية إلا أنها لا تزال قضية جامعة ومؤثرة، ويمكن أن تستعيد ألقها ودورها السابق إذا أحسن الفلسطينيون التصرف، لأن أكثر ما أساء للقضية تقزيمها للشعب والأرض والحقوق في أوسلو، وتشويهها وتصويرها كقضية نزاع على الأرض والحدود، أو قضية خلاف حول طبيعة السلام، أو بين المتطرفين والمعتدلين من الجانبين، بينما هي في الحقيقة قضية تحرر وطني لشعب تعرض ولا يزال يتعرض للاقتلاع والتشريد، فالمشروع الصهيوني الذي قام كامتداد للمشروع الإمبريالي للمنطقة يستهدف ليس فلسطين وحدها، وإنما الإبقاء على التخلف والجهل والتبعية والتجزئة والفقر في المنطقة العربية برمتها، فهو لا يزال مفتوحًا ولم يغلق، ويواصل عمله لإقامة “إسرائيل الكبرى”، وأهدافه استعمارية جذرية وتوسعية وعنصرية، ولا يقبل التسوية حتى لو تضمنت شروطًا ظالمة ومجحفة بحق الفلسطينيين.